العيني

215

عمدة القاري

بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث بصورة الجمع وصورة الإفراد والعنعنة . ومنها : أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين يروي بعضهم عن بعض : الأعمش وإبراهيم وعلقمة ، وهذا الإسناد أحد ما قيل فيه إنه أصح الأسانيد . ومنها : أن رواته كلهم حفاظ أئمة أجلاء . ومنها : أن في بعض النسخ قبل قوله : ( وحدثني بشر ) صورة : ح ، أشار إلى التحويل حائلاً بين الإسنادين ، فهذا إن كان من المصنف ، فهي تدل على التحويل قطعا ، وإن كان من بعض الرواة قد زادها فيحتمل وجهين : أحدهما ، أن تكون مهملة دالة على التحويل كما ذكرناه ، والآخر : أن تكون معجمة دالة على البخاري بطريق الرمز ، أي : قال البخاري : وحدثني بشر ، والرواية الصحيحة بواو العطف . فافهم . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في أحاديث الأنبياء ، عليهم السلام ، عن أبي الوليد عن شعبة ، وعن بشر بن خالد عن غندر عن شعبة ، وفي التفسير عن بندار عن ابن عدي عن شعبة ، وفي أحاديث الأنبياء ، عليهم السلام ، عن ابن حفص بن غياث عن أبيه ، وعن إسحاق عن عيسى بن يونس ، وفي التفسير واستتابة المرتدين عن قتيبة عن جرير . وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر عن ابن إدريس ، وأبي معاوية ووكيع ، وعن إسحاق وابن خشرم عن عيسى ، وعن منجاب عن علي بن مسهر ، وعن أبي كريب عن ابن إدريس كلهم عن الأعمش عن إبراهيم به ، وفي بعض طرق البخاري : لما نزلت الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله ، صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقالوا : أينا لم يلبس إيمانا بظلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه ليس كذلك ، ألا تسمعون إلى قول لقمان * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) وأخرجه الترمذي أيضا . بيان اللغات والإعراب : قوله : ( لم يلبسوا ) من باب : لبست الأمر ألبسه ، بالفتح في الماضي ، والكسر في المستقبل ، إذا خلطته ؛ وفي : لبس الثوب بضده يعني ، بالكسر في الماضي ، والفتح في المستقبل . والمصدر من الأول : لبس ، بفتح اللام ، ومن الثاني : لبس بالضم . وفي ( العباب ) : قال الله تعالى : * ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) * ( الأنعام : 9 ) أي شبهنا عليهم وأضللناهم كما ضلوا ، قال ابن عرفة في قوله تعالى : * ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) * ( البقرة : 42 ) أي : لا تخلطوه به ، وقوله تعالى : * ( أويلبسكم شيعا ) * ( الأنعام : 65 ) أي يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق . وقوله جل ذكره : * ( ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) * ( الأنعام : 82 ) أي : لم يخلطوه بشرك ، قال العجاج : * ويفصلون اللبس بعد اللبس * من الأمور الربس بعد الربس * واللبس أيضا : اختلاط الظلام ، وفي الأمر لبسة ، بالضم ، أي : شبهة وليس بواضح . قوله : ( بظلم ) ، الظلم في أصل الوضع : وضع الشيء في غير موضعه ، يقال : ظلمه يظلمه ظلما ومظلمة والظلامة والظليمة والمظلمة : ما تطلبه عند المظالم ، وهو اسم ما أخذ منك . وتظلمني فلان أي : ظلمني مالي . قوله : ( لما ) ، بمعنى : حين ، وقوله : ( قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) جوابه . قوله : ( نزلت ) : فعل وفاعله ، قوله : ( * ( الذين آمنوا ) * ( الأنعام : 82 ) ) الآية ، والتأنيث باعتبار الآية ، والتقدير : لما نزلت هذه الآية : ( * ( الذين آمنوا ) * ( الأنعام : 82 ) ) إلى آخرها . قوله : ( أينا ) ، كلام إضافي مبتدأ ، وقوله : ( لم يظلم ) خبره ، والجملة مقول القول ، قوله : ( فأنزل الله ) عطف على : قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والفاء معناها التعقيب ، وقد تكون بمعنى : ثم ، يعني للتراخي ، والذي تقتضيه الحال أنها ههنا على أصلها . بيان المعاني : قوله : ( أينا لم يظلم ) ، وفي بعض النسخ : ( أينا لم يظلم نفسه ) ، بزيادة : نفسه ، والمعنى : إن الصحابة فهموا الظلم على الإطلاق ، فشق عليهم ذلك ، فبين الله تعالى أن المراد الظلم المقيد ، وهو الظلم الذي لا ظلم بعده . وقال الخطابي : إنما شق عليهم لأن ظاهر الظلم الافتيات بحقوق الناس ، والافتيات السبق إلى الشيء ، وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي ، فظنوا أن المراد ههنا معناه الظاهر ، فأنزل الله تعالى الآية . ومن جعل العبادة وأثبت الربوبية لغير الله تعالى فهو ظالم ، بل أظلم الظالمين . وقال التيمي : معنى الآية : لم يفسدوا إيمانهم ويبطلوه بكفر ، لأن الخلط بينهما لا يتصور ، أي : لم يخلطوا صفة الكفر بصفة الإيمان فتحصل لهم صفتان إيمان متقدم وكفر متأخر بأن كفروا بعد إيمانهم ، ويجوز أن يكون معناه : ينافقوا فيجمعوا بينهما ظاهرا وباطنا ، وإن كانا لا يجتمعان . قلت : اختلفت ألفاظ الحديث في هذا ، ففي رواية جرير عن الأعمش : ( فقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال : ليس كذلك ، ألا تسمعون إلى قول لقمان ) ؟ وفي رواية وكيع عنه : ( فقال ليس كما تظنون ) . وفي رواية عيسى بن يونس عنه : ( إنما هو الشرك ، ألم تسمعوا ما قال لقمان ؟ ) وفي رواية شعبة عنه ما مضى ذكره ههنا ، فبين